المقريزي

954

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وكانت الصّدوقية « a » تعادي المعتزلة عداوة شديدة ، وكان الملك هورقانوس أوّلا على رأي المعتزلة - وهو مذهب آبائه - ثم إنّه رجع إلى مذهب الصّدوقية « a » ، وباين المعتزلة وعاداهم ، ونادى في سائر مملكته بمنع الناس جملة من تعلّم رأي المعتزلة والأخذ عن أحد منهم ، وتتبّعهم وقتل منهم كثيرا « 1 » . وكانت العامّة بأسرها مع المعتزلة ، فثارت الشّرور بين اليهود ، واتّصلت الحروب بينهم ، وقتل بعضهم بعضا « 2 » إلى أن خرّب البيت على يد طيطش الخراب الثّاني ، بعد رفع عيسى - صلوات اللّه عليه - وتفرّق اليهود من حينئذ في أقطار الدّنيا ، وصاروا ذمّة ، والنصارى تقتلهم حيثما ظفرت بهم ، إلى أن جاء اللّه بالملّة الإسلامية ، وهم في تفرّقهم ثلاث فرق : الرّبّانيون ، والقرّاء ، والسّمرة . فأمّا « الرّبّانيّة » فيقال لهم بنو مشنو - ومعنى مشنو : الثّاني - وقيل لهم ذلك لأنّهم يعتبرون أمر البيت الذي بني ثانيا ، بعد عودهم من الجلاية وخرّبه طيطش ، وينزلونه في الاحترام والإكرام والتّعظيم منزلة البيت الأوّل الذي ابتدأ عمارته داود ، وأتمّه ابنه سليمان - عليهما السّلام - وخرّبه بخت نصّر ، فصار كأنّه يقال لهم « أصحاب الدّعوة الثّانية » . وهذه الفرقة هي التي كانت تعمل بما في المشنا الذي كتب بطبريّة بعد تخريب طيطش القدس ، وتعوّل في أحكام الشّريعة على ما في التّلمود إلى هذا الوقت الذي نحن فيه ، وهي بعيدة عن العمل بالنصوص الإلهية ، متّبعة لآراء من تقدّمها من الأحبار « 3 » . ومن اطّلع على حقيقة دينها ، تبيّن له أنّ الذي ذمّهم اللّه به في القرآن الكريم حقّ لا مرية فيه ، وأنّه لا يصحّ لهم من اسم اليهوديّة إلّا مجرّد الانتماء فقط ، لا أنّهم في الاتّباع على الملّة الموسويّة ، لا سيّما منذ ظهر فيهم موسى بن ميمون القرطبي ، بعد الخمس مائة من سني الهجرة المحمّديّة ، فإنّه ردّهم مع ذلك معطّلة ، فصاروا في أصول دينهم وفروعه أبعد الناس عمّا جاء به أنبياء اللّه تعالى من الشّرائع الإلهية « 4 » . وأمّا « القرّاء » فإنّهم بنو مقرا - ومعنى مقرا : الدّعوة - وهم لا يعوّلون على البيت الثّاني جملة . ودعوتهم إنّما هي لما كان عليه العمل مدّة البيت الأوّل ، وكان يقال لهم « أصحاب

--> ( a ) بولاق : الصدوفية . ( 1 ) يوسف بن كريون : منتخبات من تاريخ يوسفوس 93 - 94 . ( 2 ) نفسه 95 - 96 . ( 3 ) القلقشندي : صبح الأعشى 13 : 256 - 267 . ( 4 ) فيما تقدم 952 .